العقارات التجارية في دولة الإمارات: من مساحات تقليدية إلى بيئات مخصصة وداعمة للنمو

ينسب إلى: فريد الجنّاحي، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة "الرستماني للعقارات" 

يشهد قطاع العقارات التجارية في دولة الإمارات تحولاً جذرياً يتجاوز الدورات السوقية التقليدية، حيث لم تعد الشركات تبحث عن مساحات عمل فحسب، بل عن بيئات تمكّنها من النمو والابتكار. ويطرح هذا التحول تحديات جديدة، لكنه يفتح بالمقابل آفاقاً واسعة أمام المطورين الذين يدركون أن النجاح اليوم يتطلب توفير مساحات ذكية ومرنة تلبي احتياجات الأعمال المستقبلية. 

سوق في ذروة الزخم 

تشير الأرقام إلى حركة نشطة واستثنائية في سوق العقارات التجارية، إذ تجاوزت نسب الإشغال 90% في مناطق رئيسية مثل "الخليج التجاري" و"أبراج بحيرات جميرا" (JLT)، بينما يوشك مركز دبي المالي العالمي على بلوغ سعته الكاملة. ومع أن هذه الأرقام تعكس زخماً كبيراً، إلا أنها لا تمثّل سوى ملامح أولية لتحول أعمق في المشهد. 

فمن توسع الشركات العالمية في إنشاء مقراتها الإقليمية، إلى نمو الشركات الناشئة وتعزيز الشركات القائمة لحضورها، يشهد السوق طلباً متواصلاً يفوق المعروض. ولا يقتصر هذا النمو على المناطق التجارية التقليدية، بل يمتد إلى شوارع مثل "جميرا" و"الوصل"، حيث تتحول الفلل السكنية إلى وجهات راقية للبيع بالتجزئة والصحة والمطاعم، في استجابة لتغير أذواق المستهلكين الذين باتوا يفضلون التجارب المحلية المجتمعية. 

ويبرز الاتجاه نفسه في مناطق مثل "ند الشبا" و"مردف"، حيث توفر المراكز التجارية الصغيرة بديلاً عملياً عن المولات الكبرى، مدعومة بمبادرات مثل "حوي دبي" التي تعزز نمط الحياة المتكامل ضمن مجتمعات توفر فرص السكن والعمل والترفيه في بيئة واحدة. 

 

تحوّل صناعي واسع النطاق 

يشهد القطاع الصناعي في دولة الإمارات تحولاً غير مسبوق، حيث ارتفع الطلب على الخدمات اللوجستية في دبي بنسبة مذهلة بلغت 225% خلال عام 2024، مقابل معدل شواغر لا يتجاوز 3%، ما يعكس حاجة ملحّة لإعادة تصور بنية سلاسل الإمداد في الدولة. 

ويبرز مشروع "قطار الاتحاد" كمثال رائد على هذا التحول، من خلال تأسيس مراكز شحن داخلية تعزز الترابط بين مختلف إمارات الدولة والمنطقة. وبالتوازي، يشهد القطاع الصناعي طلباً متزايداً على منشآت متخصصة تلبي متطلبات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، ما يضفي أبعاداً تقنية جديدة على المشهد الصناعي. 

وتتجلى ديناميكية هذا التحول أيضاً في المناطق الصناعية التقليدية، حيث يدفع ارتفاع أسعار الأراضي في المواقع المركزية إلى إعادة توظيفها في مشاريع متعددة الاستخدامات، فيما تنتقل الصناعات إلى أطراف المدن ضمن مرافق حديثة مصممة خصيصاً لتلبية متطلبات الكفاءة والتخصص – ما يفتح المجال أمام حلول عقارية مبتكرة تجمع بين التصنيع والخدمات والتكنولوجيا. 

 

قيود التوريد تحفّز الابتكار 

رغم التحديات الأخيرة التي فرضتها ظروف السوق، فإنها باتت حافزاً لتطوير حلول جديدة؛ حيث قفزت إيجارات المستودعات بأكثر من 20٪ على أساس سنوي في الربع الأول من 2025، وبدأ بعض المطوّرين بتحويل الوحدات السكنية إلى مكاتب – وهي مؤشرات واضحة على تغيّر الأولويات. 

من ناحية أخرى، يعتبر المطوّرون أصحاب الرؤية هذه الضغوط فرصاً للنمو؛ فالمنطقة الحرّة بجبل علي (جافزا) استثمرت 90 مليون درهم في بنية لوجستية متطورة من الدرجة الأولى، بوحدات مرنة ومستودعات مُتحكَّم في حرارتها، لتلبية متطلبات سلاسل الإمداد الحديثة والارتقاء بمعايير القطاع إلى مستوى جديد. 

 

الاستدامة كخيار استراتيجي 

لم تعد معايير الاستدامة والحوكمة والمسؤولية الاجتماعية (ESG) مجرد التزامات تنظيمية، بل تحوّلت إلى عناصر جوهرية تميز المشاريع العقارية في سوق يتسارع فيه الطلب على الجودة. فالشهادات الخضراء باتت مطلباً أساسياً لجذب المستأجرين العالميين، خصوصاً الشركات الملتزمة بأهداف بيئية واضحة. 

لكن الاستدامة اليوم تتجاوز البيئة وحدها. فالمساحات التجارية المتقدمة تدمج تقنيات المباني الذكية، ومنصات الإدارة المعززة بالذكاء الاصطناعي، وتصاميم تركز على رفاهية المستخدم. والنتيجة؟ إيجارات أعلى، وشراكات أطول أمداً، وعائد استثماري مدعوم بوعي مجتمعي متنامٍ. 

في هذا السياق، تبرز المشاريع الأكثر نجاحاً بوصفها بيئات شاملة تدعم الإنتاجية والرفاه وتقلص البصمة الكربونية في آن واحد. 

 

مستقبل العقارات التجارية: تكامل مرن واستباقي 

يتجه قطاع العقارات التجارية في دولة الإمارات نحو مرحلة جديدة ترتكز على التكامل الذكي والمرونة التصميمية. فالمشاريع القادمة لن تقتصر على فصل الاستخدامات، بل ستسعى لخلق منظومات مترابطة تمزج بين المكاتب، والمتاجر، والمرافق المجتمعية في بيئات متكاملة تعزز التجربة وتدعم الأداء. 

وستتحول المناطق الصناعية إلى مراكز لوجستية متطورة تعتمد على الأتمتة وقدرات التتبع اللحظية، في حين ستُعاد صياغة المباني المكتبية لتواكب أنماط العمل المتغيرة، فتقدم مساحات مرنة وقابلة للتكيّف. 

في هذا الإطار، لم يعد النجاح مرهوناً بالموقع أو المساحة فقط، بل بمدى فهم المطورين لكيفية تأثير التكنولوجيا على نماذج الأعمال، ودور الاستدامة في توجيه قرارات الشركات، وأهمية التصميم الذي يدعم النمو. فالمشاريع التي تدمج هذه الرؤى ستقود المشهد العقاري، وتحقق قيمة مستدامة لكل من المستثمرين والمجتمعات. 

 

المرحلة المقبلة 

تدخل سوق العقارات التجارية في دولة الإمارات مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع التحديات مع فرص النمو النوعي. والمستقبل سيكون من نصيب الجهات التي تواكب التحول بثقة وابتكار — سواء المطورين الساعين لتقديم مفاهيم جديدة، أو المستثمرين الباحثين عن قيمة مستدامة، أو الشركات الطامحة لبيئات عمل متطورة. 

فمن خلال تصميم مساحات ذكية ومخصصة، تستجيب لمتطلبات الحاضر وتستشرف احتياجات المستقبل، يمكن لدولة الإمارات أن ترسخ مكانتها كمركز عالمي للتميّز في تطوير العقارات التجارية الحديثة.