كيف تسهم الخدمات اللوجستية الذكية وأساليب التغليف المبتكرة في تأمين سلاسل التوريد لمستقبل مستدام

بقلم مارك سميث، الرئيس التنفيذي لشركة عبد الواحد الرستماني للخدمات اللوجستية 

يواصل العالم تحطيم الأرقام القياسية المُناخية؛ إذ تشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) إلى وجود احتمال بنسبة 86% لأن يتجاوز أحد الأعوام ما بين 2025 و2029 مستوى 1.5 درجة مئوية فوق معدلات ما قبل الثورة الصناعية، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنةً بتوقعات عام 2024. ويُترجم هذا الاتجاه العالمي للاحترار المُناخي محلياً في شكل موجات حرارية غير مسبوقة، مثل الرقم القياسي الذي سجَّلته درجات الحرارة في دولة الإمارات خلال شهر مايو، إضافةً إلى هطول أمطار غزيرة على نحو غير مُعتاد. كما يسلِّط تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 الضوء على هذا الخطر، موضحاً أن الظواهر الجوية المتطرفة تأتي في المرتبة الثانية كأكثر العوامل احتمالاً للتسبب في أزمة عالمية هذا العام، فيما تأتي المخاطر البيئية على رأس قائمة التحديات الطويلة الأمد.

قد تُشكِّل التداعيات خطورة كبيرة على الدول التي تعتمد كثيراً على الواردات لتلبية احتياجاتها الأساسية، لا سيما فيما يتعلق بالمواد الغذائية (حيث يتم استيراد نحو 85% من احتياجات الغذاء ) والمنتجات المُصنَّعة. وفي الوقت نفسه، تواجه الدول المُورِّدة الرئيسية -بما في ذلك الهند والصين والفلبين وإندونيسيا وعدد من الدول الأوربية- تحديات مُناخية غير مسبوقة. إذ تؤدي موجات الجفاف في الدول الزراعية الكبرى، والعواصف العنيفة التي تعرقل عمليات الموانئ في المراكز الصناعية الآسيوية، وموجات الحر التي تؤثر في إنتاجية العمال في مراكز التوزيع الأوروبية، إلى اضطرابات متوالية عبر سلاسل التوريد العالمية المعقدة. 

تُحدث هذه الاضطرابات المترابطة تأثيراً متسلسلاً يشبه الدومينو؛ مما يؤدي إلى إطالة فترات الشحن، وارتفاع تكاليف النقل، وزيادة تقلُّب أسعار السلع الأساسية، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على تكاليف المعيشة وعمليات تشغيل الأعمال.
ومع ذلك، فقد تصدَّرت دولة الإمارات المشهد في مواجهة هذه التحديات على نحو استباقي من خلال تبنِّي منظومات لوجستية ذكية، والاستفادة من قوة البيانات والذكاء الاصطناعي في التخطيط التنَبُّؤي للمسارات وإجراء التعديلات اللحظية. ويُسهم هذا النهج التحويلي في تمكين الشركات من تفادي الاضطرابات قبل وقوعها، والحفاظ على كفاءة عملياتها، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد. 

على سبيل المثال، في قطاع الشحن البحري، تقوم المنصات المعززة بالذكاء الاصطناعي بتحليل مجموعات ضخمة من البيانات تشمل أنماط الطقس التاريخية، والظروف البحرية في الوقت الفعلي، وازدحام الموانئ، والأحداث الجيوسياسية. نفترض مثلاً أنه من المُتوقع حدوث عاصفة شديدة ستلقي بتبعاتها على قناة السويس. ففي تلك الحالة، يمكن للنظام أن يقترح على الفور مسارات بديلة عبر رأس الرجاء الصالح، ويحسب السرعات المُثلى وأفضل معدل لاستهلاك الوقود للحد من التأخيرات والتكاليف، بدلاً من انتظار حدوث الخلل. وتُعد هذه القدرة التنبؤية عنصراً أساسياً بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعتمد على خطوط الملاحة البحرية العالمية لتلبية احتياجاتها من الواردات.

بعيداً عن خطوط الشحن الرئيسية، تُحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في عمليات التوصيل إلى المرحلة الأخيرة داخل المدن التي تعجُّ بالصخب والنشاط في دولة الإمارات. تخيَّل مزوِّد خدمات لوجستية يدير أسطولاً من مركبات التوصيل: في الأنظمة التقليدية، تكون المسارات ثابتة؛ مما يؤدي إلى ضعف الكفاءة عند حدوث ازدحام مروري مفاجئ أو هطول أمطار غزيرة غير متوقعة. أما اليوم، فيتم تزويد الأنظمة اللوجستية الذكية ببيانات آنية عن حركة المرور، وتحديثات الطقس المباشرة، وحتى جداول الفعاليات العامة، ليقوم محرك الذكاء الاصطناعي بتحليلها بشكل متواصل. فإذا تسببت عاصفة رملية مفاجئة في انخفاض الرؤية في أحد الطرق الرئيسية، يستطيع الذكاء الاصطناعي فوراً إعادة تحسين المسارات للمركبات المتأثرة، وتوجيهها نحو طرق أكثر أماناً، مع إخطار العملاء بأوقات التسليم المُعدَّلة بدقة فائقة. 

علاوة على ذلك، يضمن نظام الصيانة التنبؤي المدعوم بالذكاء الاصطناعي -والذي يعتمد بشكل واسع على أجهزة الاستشعار وتقنيات التعلُّم الآلي- صيانة المركبات والآليات عبر سلسلة التوريد بشكل استباقي؛ مما يقلل بشكل كبير من مخاطر الأعطال والتأخيرات الإضافية الناتجة عن المشكلات الميكانيكية.

ترتقي "طرق التغليف الذكية" بهذا الالتزام بالقدرة على الصمود إلى مستوى أكثر تقدماً، من خلال استخدام مواد متطورة وواقية مزوَّدة بحسَّاسات مدمجة تضمن سلامة المنتج وإمكانية رؤيته بوضوح حتى في أصعب الظروف. وتكتسب هذه التقنيات أهمية خاصة على مستوى الدولة؛ نظراً لاعتمادنا الكبير على استيراد كميات ضخمة من السلع الحساسة للحرارة مثل الأدوية والمنتجات الطازجة والأجهزة الإلكترونية ذات القيمة العالية. فعلى سبيل المثال، تزايد إقبال شركات الأدوية على استخدام أنظمة تغليف ذكية مزوَّدة بمؤشرات حرارة زمنية (TTIs) وبطاقات تحديد الهُوية بترددات الراديو (RFID)، حيث يتغيَّر لون هذه المؤشرات عند خروج درجة الحرارة داخل العبوة عن النطاق المسموح به؛ مما يوفر إنذاراً بصرياً فورياً لأفراد الخدمات اللوجستية. 
في الوقت نفسه، تتيح بطاقات تحديد الهُوية بترددات الراديو (RFID) تتبُّع الموقع الدقيق للعبوة وظروفها البيئية بشكل مستمر وفي الوقت الفعلي طوال رحلتها من المصنع، مروراً بالمحيطات الشاسعة والمناخات الصحراوية الحارقة؛ مما يضمن الحفاظ على فاعلية اللقاح دون أي تدهور، ويُمكِّن من التدخل الفوري في حال نشوء أي مشكلة.

إلى جانب التحكم في درجة الحرارة، توفِّر تقنيات التغليف الذكية مستوى غير مسبوق من الشفافية وإجراءات فعَّالة لمكافحة التزييف، وهو أمر بالغ الأهمية في الأسواق العالمية. فعلى سبيل المثال، قد تصل إلى ميناء أبوظبي منتجات فاخرة مثل الأزياء الراقية أو الإلكترونيات الفخمة مغلَّفة داخل عبوات تحتوي على بطاقات اتصال قريب المدى (NFC). وعند مسح هذه البطاقات باستخدام هاتف ذكي أو جهاز قراءة متخصص، يمكن التحقق من مصدر المنتج، واستعراض مسار سلسلة التوريد بالكامل، بل وحتى الاطلاع على تفاصيل عملية التصنيع. يُسهم ذلك في بناء ثقة المستهلكين ويشكل أداة ردع قوية ضد البضائع المُقلَّدة؛ مما يحمي العلامات التجارية والمستهلكين على حدٍّ سواء. كما تُمثل أجهزة استشعار الرطوبة المدمجة أهمية كبيرة عند استيراد الإلكترونيات والمعدات الحساسة؛ إذ تُصدر تنبيهات لمُشغِّلي الخدمات اللوجستية في حال تجاوز مستويات الرطوبة الحدود الآمنة أثناء النقل، وهو الأمر الذي يمنع التلفيات الباهظة التكلفة ويضمن جودة المنتج عند وصوله.

يُعد الجمع بين القوة التنبؤية للخدمات اللوجستية الذكية وضمان معايير السلامة والوقاية في التغليف الذكي عنصراً أساسياً في بناء سلسلة توريد قوية ومرنة قادرة على الصمود أمام تقلبات المناخ المتزايدة. يوجِد هذا النهج المتكامل علاقة تكاملية متبادلة؛ إذ تعمل الخدمات اللوجستية الذكية على تحديد الاضطرابات الكُبرى في شبكات التوريد والتخفيف من آثارها، في حين يحافظ التغليف الذكي على سلامة المنتج حتى أدق مستوياته؛ مما يضمن بقاء السلع صالحة وذات قيمة حتى في مواجهة التحديات غير المتوقعة. 

في النهاية، يُعد هذا النهج المتكامل -الذي يجمع بين الخدمات اللوجستية الذكية القادرة على الحد من الاضطرابات على المستوى الكلي، والتغليف الذكي الذي يحافظ على سلامة المنتجات على المستوى الجزئي- سر ضمان استدامة سلاسل التوريد في المستقبل. وهو مبدأ جوهري يدفع مُزوِّدي الخدمات اللوجستية اليوم نحو تبنِّي رؤى أكثر تقدماً واستشرافاً للمستقبل. وبوصفها من روَّاد هذا المجال في دولة الإمارات العربية المتحدة، اتخذت شركة عبد الواحد الرستماني للخدمات اللوجستية هذا الفكر أساساً لرسالتها؛ حيث تقود الابتكار نحو منظومة متكاملة من الخدمات اللوجستية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتغليف المتطور. ومن خلال ذلك، تُمكِّن الشركة عملاءها من مواجهة التحديات العالمية بثقة، بل والتفوق في مواجهتها وتجاوزها، عبر بناء سلاسل توريد مرنة ومستدامة قادرة على الصمود أمام صعوبات العصر.